سوهاج 11 / 7 /
2009
بقلم : عبد الناصر عبد الحق عبد البارئ

قال تعالي :
"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا" الفرقان
آية –62-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن سار علي هداه .......
خلق الله الليل والنهار يخلف أحدهما الآخر لينتبه الإنسان إلي أن عمره يمر وينقضي
وانقضاء الليل والنهار ، فيتذكر ويتعظ ويأخذ أهبته واستعداد من يؤمن بالموت ويوقن
أنه يسير إلي حسابه يوم الحساب ، فيشكر ويحرص علي وقته ودقائق عمره لأنها تمثل
حياته فيستغلها فيما خلق له وما ينجيه يوم الحساب ......
قال أحمد شوقي – ينبه الغافلين –
دقـات قلـب المـرء قائله له إن الحياة دقائق وثوان
فأرفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرّ ثان
والمؤمن أحرص الناس على وقته لأنه وقف وقفه تدبر وإيمان مع قوله تعالى : "وأن
ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى"
النجم – 39 ، 40 –
وهو يؤمن أنه خلق للعبادة قال تعالى : "قل إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب
العالمين" فلا يمل أن يضيع لحظة من عمره في غير طاعة الله والعمل له ، ولأن
الله خلق له الموت والحياة والليل والنهار للعمل الخالص بل والأحسن لله ، قال تعالي
: "الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"
(الملك
– 2 )
قال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي البغدادي ت 512 هـ [إنى لا يحل لي أن أضيع ساعة من
عمري حتى إذا تعطل لسانى عن المذاكرة والمناظرة وبصري عن المطالعة ، أعملت فكري في
حال راحتي وأنا منطرح ، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره ، وأنى لأجد من حرصي علي
العلم وأنا في الثمانين أشد ما كنت أجده وأنا ابن العشرين]
ومن منطلق ما سبق من أدله والتى حصرت حياة المؤمن كلها في العمل والطاعة عبادة لله
وأعمارا للكون الذي استخلفه الله فيه ..... وبما أن حياة الإنسان هي وقته الذي هو
دقائق وثوان معدودة فهو سيُسأل عن هذا الوقت وعن امكاناته التي ينبغي أن يستثمرها
في هذا الوقت ليحقق هدفه في الدنيا بالحياة الطيبة وإقامة شرع الله في الأرض ،
وليصل إلي غايته في الآخرة وهي رضا الله والجنة وبذلك ينجو من عقاب الله إذا ضيع
الوقت والإمكانات والأمانات التي حملها فإن أعظم هذه الأمانات هو الوقت .
قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن
أربع ؟ عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما
أنفقه ، وعن عمله فيما عمل به)
إذن أنت أخي الكريم ستُسأل عن كل كبيرة وصغيرة حدثت في حياتك ، أي في دقائق وقتك .
قال تعالي :
"مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا
يظلم ربك أحدًا"
(الكهف- 49 ).
أيها الحريص المشفق علي نفسه من الوقوف بين يدي الله يسأله عن االنقير
والقطمير من الخير أو الشر .
قال تعالي : "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن
بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد"(
آل عمران – 10)
فالله من رأفته بالناس يحذرهم من ضياع العمر والوقت دون عمل صالح ينجيهم يوم الحساب
، ولأن المسألة كلها مسألة عمل ووقت ونية خالصة لله في هذا العمل في كل لحظة تمر بك
وبالتالي فهي مسألة سباق مع الزمن إلي رحمة الله ومغفرته ، جاءت الوصايا والمنبهات
للحرص علي ذلك الوقت حتى لا يضيع .
قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة
والفراغ) ، وقال صلي الله عليه وسلم محذرًا : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى علي الله الأماني) حتى أن عبد الله
بن عمر راوي الحديث يقول منبهًا علي ضرورة التركيز الشديد في استثمار الوقت [فإذا
أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]
والإسلام لا يرضي منك إن كنت مؤمنا حريصا علي وقتك أن يتساوى يومك مع أمسك في العمل
، بل يحثك علي الزيادة ويعتبر التساوي خسران وغبن ، قال رسول الله – صلي الله
عليه وسلم : (من تساوى يوماه فهو مغبون) لابد أن يكون اليوم أفضل من الأمس وأتم
في العمل والمسارعة إلي الله ، ولا يكون ذلك إلا بوجود خطة محكمة وجدول عمل منظم
ومبرمج ومحاسبة عليه حتى يستطيع تقييم وتقويم نفسه وعمله ليحمد الله على الخير
ويتوب ويستدرك الخطأ والتقصير قبل فوات الأوان ، وهاهو الفاروق عمر يلفت
نظرك إلي مبدأ المحاسبة ومراجعة عملك فيقول لك [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ،
وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم] ومعه ابن مسعود – رضي الله عنه – ينبهك
علام يكون الندم والحسرة يقول : [ما ندمت على شئ ندمى علي يوم غربت شمسه نقص فيه
أجلى ولم يزد فيه عملي] قالوا : هذا رضي الله عنهم لأنهم سمعوا اليوم والوقت
يناديهم علي لسان رسولهم الصادق المصدوق يقول عليه الصلاة والسلام – (يا ابن آدم
أنا يوم جديد وعلي عملك شهيد فاغتنمي فإني لا أعود إلي يوم القيامة ... فخافوا ..
وفي الحديث (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل)
والواقع يقول أن هناك الكثير
منا مغبون في وقته وفي صحته وفيما يجب عليه فيهما تجاه نفسه ودينه وأهله وأمته
وآخرته إن تذكر شيئًا نسى أشياء ، إن أدى واجبًا قصر في واجبات ، وإن اهتم بأولوية
، أهمل أولويات غيرها ، هكذا هو واقع الكثير ، وها هو أحد أعظم أئمة السلف العلامة
ابن القيم – رحمة اله – يحذر كل غيور علي دينه وآخرته ووقته يقول [إضاعة الوقت
أشد من الموت ، لأن إضاعة الوقت يقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن
الدنيا وأهلها] ومن قبله يوصي أبو بكر عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما فيقول له
: [إن الله حقا بالنهار لا يقبله بالليل ، ولا في الليل حق لا يقبله بالنهار]
مشيرًا رضي الله عنه إلي القاعدة الفقهية التي تقول (كل وقت أولى بما فيه)
ويؤكد ابن القيم عليك ويخوفك من التهاون في وقتك فهو أعظم الأمانات ، يقول لك ولكل
مؤمن ومؤمنة :
(من أعظم الإضاعات إضاعة القلب وإضاعة الوقت : فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على
الآخرة .... وإضاعة الوقت من طول الأمل ، فاجتمع الفساد كله في إتباع الهوى ، وطول
الأمل)
لذلك كان أشد الناس حرصا على وقته هو المؤمن العالم يقول : الحسن – رضي الله عنه –
(أدركت أقوامًا كان أحدهم أشح على عمره ووقته منه على درهمه وديناره)
أيها العاقل الحذر إن ساعة من وقتك تستطيع أن تسمح عبره يتيم ، أو تعين عاجزًا ، أو
تغيث ملهوفًا ، أو تتعبد لله بتسبيحه ، أو تملأ ميزانك بقول (الحمد لله) ، أو تشكر
الله ، أو تأمر بمعروف ، أو تنهي عن منكر ، أو تعلم خيرا أو تؤدى خدمة للمسلمين ،
أو تدعو دعوة تنصر بها إخوانك في معاركهم ضد الكفر والإلحاد وهتك الأعراض ، .......
أو ...... فكم تساوى هذه الساعة أذن بمقياس البشر وكم تساوى بمقياس الآخرة ...... ؟