في نور القرآن: دروس من سورة الكهف
سوهاج 17/ 5/ 2009
بقلم: أ. عيسى عبد العليم*
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، صلى الله عليه وسلم.
تتضمن سورة الكهف بيانَ الحق الصريح في التصور والاعتقاد كما هي كذلك في بيان القيم
والسلوك وتصحيح العقيدة، ويتجلى مطلعها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى
عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا
شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)
وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ
عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ
يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (5)﴾ (الكهف)، بينما هي في ثناياها تصحِّح القيم
والموازين، وفي ضوء هذا التصحيح للعقيدة والقيم تفرض علينا قضية أساسية وخطيرة وهي
أنَّ لكل مجتمع من المجتمعات موازين يزن بها الناس، وقد جاءت رسالة الإسلام
بالميزان الصحيح والتقدير السليم.
جاءت رسالة الإسلام كما بينت الآيات في هذه السورة وغيرها- القيم التي ارتضاها
الخالق لعباده ميزانًا، ولكن هذه القيم (التي تمثل الميزان الرباني) وُجهت مواجهة
شديدة من المجتمع المشرك في مكة؛ لأنها كانت تمثل تغيرًا أساسيًّا لكل ما يسود هذا
المجتمع، فقد كان المجتمع المشرك يقدر الناس على أساسٍ من الغنى والمال والجاه
والقبلية وكثرة الولد والسلطة والسلطان، فإذا بهم يجدون أنَّ ما جاء به محمد- صلى
الله عليه وسلم- يهدر هذا كله، ويرد الأمر إلى التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، ومعنى هذا أنه لا سلطانَ لغني على
فقير بما يملك، ولا القوي على ضعيف بماله من قوة، معنى ذلك أن كل قيم الجاهلية
مهددة وأن بلالاً العبد الحبشي قد يكون أكرم وأعظم من سيده.
أدرك المشركون ذلك جيدًا وأدركوا أنهم في ظل الإسلام سيزول كل ما يعتزون به، ومن
هنا كانت شدة مقاومتهم لما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ولذلك كانت
مقاومتهم للدعوة لا لأنها تدعو إلى عبادة الله ولا لأن آلهتهم ستضيع، فالملأ أعلم
الناس بأنَّ آلهتهم لا تنفع ولا تضر؛ ولكن مقاومتهم كانت لما يعلمونه من أنهم في ظل
الأوضاع القائمة والقيم الدينية الفاسدة فهم أصحاب قوة وسلطان، إنهم يحاولون أن
يبقى كل شيء على ما هو؛ حتى يبقى لهم سلطانهم ونفوذهم واستغلالهم واستعبادهم لرقاب
الناس.. إذ لو انتصر الحق الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- فحينئذ سيخرج من
أيديهم كل ذلك، وحاولوا أول الأمر أن يتصدوا للدعوة بالقوة.
قيم الإسلام لا تقبل المساومة
فلما أدركوا أن الأمر خرج من أيديهم وأن القوة لا تهدم عقيدة ولا تقضي على فكرة
وأنها من باب أولى لا يمكن أن تقاوم دينًا متكاملاً أنزله الله على نبيه- صلى الله
عليه وسلم-، ومن ثم قاموا في عملية التفاف؛ فقالوا لرسول الله- صلى الله عليه
وسلم-: "نحن على استعداد أن نؤمن بك، ولكن أعطنا فرصة نستمع إليك فيها؛ فنحن لم
نألف ما نراه في مجلسك؛ حيث نرى أقوامًا من العبيد والضعفاء، وتؤذينا روائح جيبهم،
فاجعل لنا يومًا ولهم يوم"، والرسول- صلى الله عليه وسلم- بشر، والقيم التي جاء بها
الإسلام جديدة على القوم، والقيم الجاهلية ضاغطة وسائدة، فكاد الرسول- صلى الله
عليه وسلم- أن يميل إلى ما قاموا، فنزل وحي الله يصحح لنبيه ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ
فُرُطًا * وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
فَلْيَكْفُرْ…﴾ (الكهف: 28، 29)؛ أي أنَّ قيم الإسلام لا مساومة عليها، ويتضح لنا
عمق هذا المعنى في نفوس المؤمنين بعد أن تشربته ووعته، وذلك ما نراه واضحًا في قصة
سيدنا ربعي بن عامر مع رستم عندما دخل عليه ورأى تعظيم القوم إياه قال له: "لقد
دعوتموني إلى مجلسكم، ولم آتي من عند نفسي، وكان خيرًا لكم أن تقولوا لي إنَّ بعضكم
أربابًا لبعض".
فلإسلام حينما يقرر أنَّ التقوى هي الميزان فإنه يقرر في ذات الوقت المساواة بين
البشر وحرية البشر؛ لأن الإنسان إذا لم يخش غنيًا لغناه ولا صاحب سلطان لسلطانه ولا
ذا جاه لجاهه، وإنما ينظر إليه على أنه بشر من البشر حينئذ يزول الخوف من قلوب
الناس فيصبحون أحرارًا لا يذل بعضهم بعضًا، ولعلنا إذا قارنا بين ما ينادي به
الإسلام وبين المجتمعات الحاضرة نجد بُعْدَ المسافة بين هذه القيم التي نراها في
مجتمعنا وبين القيم التي أراد الإسلام أن يؤهلها أو يعمقها.
إنَّ الناس في أقطار الأرض كلها يعيشون في خوفٍ ووجلٍ؛ لأن السلطان القاهر في هذه
المجتمعات إما سلطان القوة أو المال أو الجاه، ومع انعدام القيم الإيمانية التي
تقدر الإنسان، الإسلام حينما قرر أن أكرم الناس عند الله هم أهل التقوى حقق
المساواة بين الناس جميعًا وبمقارنة بين مجتمعاتنا الحاضرة وما قرره الإسلام منذ ما
يزيد عن أربعة عشر قرنًا فنجد (من المنظور الإسلامي) أنَّ الإمام الأعظم "الخليفة "
يُحاكَم بنفس القانون الذي يُحاكَم به أي فردٍ من الرعية يقف أمام القاضى بدون أي
ميزة، ويُطبق عليه القاضي نفس القانون الذي يسري على عامَّة الناس، ولكن ماذا يحدث
الآن؟ نجد أن رئيس الدولة.. في جميع أنحاء العالم بما فيها الدول الإسلامية، إذا
ارتكب خطأ فإنَّ له قانونًا خاصًّا يُحاكَم به ومحكمة خاصة يحاكم فيها (إذا حُوكِم
أصلاً).
بل أكثر من ذلك إذا نظرنا إلى المجتمع المصري نجد أن هذا الأمر لا يقتصر فقط على
رئاسة الدولة بل نجد أن الوزراء ما داموا في السلطة لهم قانون خاص يُحاكمون به إذا
وقع منهم أي انحراف، وذلك على الرغم من كل هذا الحديث المكرر عن الديمقراطية.
الله خلق الناس.. سواسية سواء بسواء
ولعلنا نذكر قصة سيدنا علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- حينما كان أميرًا
للمؤمنين وسُرقت منه درعه أخذها كتابي فشكاه أمير المؤمنين إلى قاضي المدينة،
فلمَّا وقفا بين يدي القاضي وقف الخليفة والكتابي سواء بسواء كل منهما يُدلي بحجته،
فقال القاضي: ما بينتك يا أمير المؤمنين؟ قال علي: الدرع درعي، ولم يذكر بينة، فحكم
القاضي بأنَّ الدرع لليهودي، فقال الكتابي: اشهد أنَّ هذا هو العدل... الخليفة
يُحاكمني إلى قاضيه فيحكم عليه!! الدرع درع أبي الحسن تبعته فانتهزت غفلة فأخذتها،
ثم نطق بالشهادتين.
لعلَّ في مدلول هذه القصة تأصيل للمعنى الذي تصوره سورة الكهف التي نحن بين يديها-
إن الإنسان يتميز بما أودعه الله فيه من قوى فطرية لا يستذل غيره من الناس بما وهبه
الله من مالٍ أو جاهٍ أو سلطانٍ توضح ذلك المعنى الآيات التالية: ﴿ وَاضْرِبْ
لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا
الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا
خِلالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ
يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ
جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ
أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي
لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ
يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ
سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي
أَحَدًا (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا
قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا (39)
فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا
حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ
مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ
تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43)﴾
(الكهف).
فهذه الآيات مثل يضربه الله عز وجل لتوضيح قيم الإسلام في مواجهة قيم المجتمع
الجاهلي المشرك التي يريد أهل مكة أن يتمسكوا بها، فالسورة تحكي قصة رجلين أحدهما
عنده ما عند هؤلاء المترفين من الغنى والولد وهو معتز بهذه القوة مغرور (بعطاء الله
له)، فيسخر من أخيه الإنسان الذي لم يعطه الله مثل هذا المال ولم يهب له هذه القوة،
والقوة إذا خلت من الإيمان الذي يوجهها قادت إلى الطغيان، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ
الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ (العلق)، وصل به غروره أن
ينكر اليوم الآخر وأن يقول على افتراض أن هناك يومًا آخر فإنه سيكون في مثل هذه
الحالة التي هي عليها في الدنيا ﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾.
الطاغية يزيد في طغيانه بتأثير المال والجاه
والواقع أنَّ مثل هذا الطغيان بتأثير الجاه والغنى يقع فيه كثير مما لم ينعموا
بنعمة الإيمان، وقد ورد في كتاب الله عزَّ وجل أكثر من مثال لهذه الحالة ﴿وَمَا
أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً
وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
(36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا
زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ
الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)﴾ (سبأ)، غنى وجاه
وسلطان يقود إلى الترف فينسى الإنسان أنَّ هذا كله من عند الله عز وجل وأن الله
الذي أعطى قادر على أن يمنع، ويخطئ مَن يظن أن بماله في الدنيا أفضل وأكرم وأن الذي
أعطاه قد كرَّمه على غيره، ويظن أنَّ المال والأولاد مظهر تكريم من الله عز وجل،
ويظن أنَّه مكرم في الآخرة، ولكن القضية ليست كذلك.
عطاء الله ابتلاء واختبار
ليس المال والجاه والولد مصدر تكريم، ولا الحرمان مظهر تحقير؛ لأن الله عز وجل قد
يُعطي المالَ والولد لمَن لم يؤمن ويحرم منهما مَن يؤمن، وقد يوسع الله على الكافر
لشدة غضبه عليه حتى يزداد طغيانًا فيزداد عذابًا، وقد يوسع الله على المؤمن حتى
يشكر الله فيكون له أجر الشكر وإن لم يؤد حقها كان عليه عقابها، وقد يضيق الله على
الكافر فيزداد ضيقًا وكفرًا ومعصية كأنه في ذلك يحتج على قدر الله عز وجل، ويضيق
على المؤمن لأنه إذا لم يعطه صبر فيكون له الأجر وسورة الفجر توضح ذلك.فكلاهما
اختبار ابتلاء: الضيق والسعة، المؤمن يستمد قوته من الله.
فنجد في قصة الرجلين أن منطق المؤمن منطق الثبات، فالرجل الغني يحاول أن يفرض سطوته
بما لديه من مال وجاه على هذا المؤمن الفقير، ولكنه نسي أنَّ المؤمن يستمد قوته من
قوة الله عز وجل فلم يهتز أمام جاه وغنى هذا المغرور بما أتاه الله؛ لأنه يستمد
قوته من القوة التي لا تعد ولا تحد ومن منطق هذا الثبات، وقف من هذا المتجبر موقف
الأستاذ ليُعلِّم بذلك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (كيف يكون الثبات):
﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37)﴾ ذكَّره بأنه من تراب
والذي جعل له مقومات الحياة والوجود هو الله العلي القدير، فلو تدبر هذا المتكبر أن
كل هذه الاسباب التي هي مصدر تجبره قد أعطاها له الله عز وجل، والذي أعطى يستطيع أن
يسلب والذي منح يستطيع أن يمنع لخشع لله عز وجل وعرف الطريق الصحيح، ثم يستمر
المؤمن في تأدية رسالته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ
جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي
أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا (39)﴾ يُذكره مرةً أخرى بأن هذا كله لله عز
وجل، وأنه لا قوةَ إلا بالله، كل قوة في الأرض زائلة إلا قوة الله عز وجل.
رضوان الله... رجاء كل مؤمن
الصاحب المؤمن يستمر في نصح الغني المتكبر بأنَّ الله عز وجل خلقك من تراب ثم أعطاك
ما أصبحت به هذا الانسان الذي بلغ من غروره أن يتجبر فالقوة من الله والجنات والغنى
والسلطة والأولاد كلها أسباب من الله عز وجل: ﴿ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ
تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ
يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ الإشارة هنا إلى بعيد ليست إلى هذه الدنيا،
فالدنيا في نظر المؤمن أهون من أن يرجوها ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا
مِنْ جَنَّتِكَ﴾ يعطيني الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر، فالمؤمن يرجو جنة لا تقاس بها جنات الدنيا وإلى نعيم لا يُقاس به نعيم
الدنيا، يرجو رضوان الله.
لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا زال المؤمن في معرض التذكير: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا
حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ
مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)﴾ أراد الصاحب المؤمن أن
يذكره بحول الله وقوته من خلال جنته ذاتها، ذكَّره بأنَّ جنته هذه التي يغتر بها قد
يمنع الله عنها الماء أو يرسل عليها آفة سماوية، فالماء أثر من آثار النعم الآلهية
على البشر الذين يعيشون في ظلال هذه النعمة العظيمة، فلو منع الله عنها الماء فهل
هذا المتجبر يستطيع أن يجلبه إلى جنته؟ وهل يستطيع حمايتها من الآفات؟
ولكن الرجل لم يتعظ ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ فندم حيث لا ينفع الندم ﴿فَأَصْبَحَ
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا..﴾.
وضرب الله هذا المثل توضيحًا يبين القيم الإيمانية المتمثلة في الصاحب المؤمن
والقيم الجاهلية "الجاه والمال والسلطان" لكي يحسم القضية لمن الغلبة، الغلبة لمَن
آمن بالله واليوم الآخر، وهكذا الحق دائمًا في كل عصرٍ يطغى الباطل ويتعالى ويتجبر
وينسى، ولكن قدر الله عز وجل له بالمرصاد، وتكون العاقبة للمتقين فيعتبر مَن يعتبر
وقليل ما هم.
التغير بالقلب شعلة إيمانية
إصلاح القلوب
وتلحظ - أخي الحبيب- أنَّ الصاحب المؤمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بلسانه، ونريد
أن نقف وقفةً سريعةً عند جارحة أخرى من جوارح الإنسان تستخدم في الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر ألا وهي القلب؛ لأن مفهوم التغير بالقلب يحتاج إلى بعض التوضيح
فالرسول حدد أنَّ مجالات التغير ثلاثة ومن ليس فيه واحدة منها يجب أن يراجع إيمانه:
فيكون التغير بالقلب لمَن لا يستطيع أن يغير بيده أو بلسانه، ولتوضيح ذلك نضرب
مثالاً: إذا دخل الانسان بيته ووجد إنسانًا يهجم على أهله يريد أن يعتدي عليهم ماذا
يفعل؟ إنه يحاول أن يدفع عن أهله بكل ما أوتي من قوة، ولكن ماذا يحدث لو أخذ على
يديه وأهله، ويحاول هذا الإنسان الاعتداء عليهم؟ كيف يكون حال قلبه في هذه اللحظة؟
حينئذ يكون في قمة النقمة والضيق لأن محارمه تنتهك.. محارم الله أحق أن يُغار عليها
كما يغار المرء على محارمه، كذلك التغير بالقلب، فالمؤمن الحق إذا رأى محارم الله
تُنتهك عليه أن يشعر بمثل هذه الثورة والضيق والألم، فالتغير بالقلب ليس مجرد رد
فعل يشبه اللامبالاة ولكنه قوة كامنة مفيدة تريد الانطلاق وحينما يُتاح لها ذلك لن
يكون للمنكر وجود.
فالمؤمن الحق لا يحس بالراحة حينما يرى محارم الله تُنتهك، وإنما هو الذي إذا رأى
محارم الله تنتهك اشتعلت نفسه غيرةً وأحس بتقصيره هو نفسه لا أن يلقى على المجتمع
من حوله تهمة التقصير، بمعنى أنه إذا رأى محارم الله تُنتهك وشريعته تُعطَّل سأل
نفسه ماذا يقدم هو، فالمسلم الحق عليه أن يراجع نفسه فلا يشغل بأمور حياته الفانية
عن آخرته، فالمجتمع المكي كان فيه المشرك والمؤمن، المشركون كانوا يعلمون أن ما جاء
به محمد- صلى الله عليه وسلم- الحق، والمؤمنون يعلمون بأنه الحق، ولكن المشركين
شُغلوا بديناهم فلم يعترفوا بآخرتهم فانكبوا على المال والولد والجاه، بينما رأى
المؤمنون أنَّ طريق الحق أوله هنا وآخره إلى جنة أو نار حينئذ هان عليهم ما يلقون
في سبيل الله وهان عليهم ما يبذلون فتوهجت في قلوبهم شعلة الإيمان، وحينما تتوهج
شعلة الإيمان فلا يقف في طريقها شيء.
------------
* من الرعيل الأول للإخوان المسلمين.