سوهاج 19/ 8/ 2007

اعتقل الأستاذ همام على يوسف مدير مدارس الدعوة الإسلامية بمحافظة سوهاج وهو يتناول
وجبة الغذاء مع بعض إخوانه فى القاهرة ضمن 16 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين
أبرزهم الدكتور عصام العريان والدكتور محمود حسين عضوا مكتب الإرشاد. ذلك فى حوالى
الساعة الرابعة عصرًا فى منزل مهندس نبيل مقبل أحد رموز إخوان محافظة الجيزة
ووجهت لهم نيابة أمن الدولة التهم المعروفة (الانضمام لجماعة محظورة....إلخ) وتم
حبسهم 15 يوم على ذمة التحقيق، فى موقع إخوان سوهاج قررت إدارة الموقع إجراء حوار
مع ابنه (أحمد همام على يوسف) من مواليد عام 1994 أى يبلغ من العمر 13سنة وطالب فى
مدرسة الدعوة الإسلامية بنين بالصف الثانى الإعدادى.
ترددت كثيرًا لكى أجرى هذا اللقاء ولكن التشجيع المستمر من إدارة الموقع دفعنى لكى
أخوض تجربة تكاد تكون الأولى بالنسبة لنا فى موقع إخوان سوهاج (إجراء حوار مع ابن
معتقل)، وصعوبة التجربة تتلخص فى الآتى:
-
أنى أجرى لقاء مع أحد أبناء المعتقلين.
-
لم يمضى سوى يومين على اعتقال والده.
-
هو أكبر إخوته والولد الوحيد.
-
صغر سنه لحد ما فهو مازال فى الصف الثانى الإعدادى (وهذا ما اكتشفت أنه ليس
عائق كما سيظهر فى السطور التالية).
اتصلت به تليفونيًا لتحديد موعد لمقابلته فى صلاة العشاء فى المسجد القريب من بيته
وأعلمته أنى سأجرى معه حوار بخصوص اعتقال والده وطلبت منه بعض الصور الخاصة به
وبوالده وأخبرنى أنه ليس لديه مانع على الإطلاق.
ولم
يمض الكثير وجاء فى موعده وأحضر ما طلبته منه ورغم أنه حاول إظهار المرح وأنه غير
مبالى بما حدث إلا أنه فشل فى إخفاء علامات الحزن الظاهرة بوضوح على وجهه. وفى
بداية الحوار رحبت به ولاحظت أن الكلمات تختنق فى حلقه وقدمت له كوبًا من العصير
فقال لى (ساخرًا): إنت هاتسجوبنى...؟!!
مما
أثر فى نفسى وأجبته (وأنا أبلع ريقى بصعوبة وبصوت خافت) : بل سوف أسمع منك وسأكتب
ما تمليه على فحدد أنت الأسئلة والأجوبة ولن أكتب شيئًا حتى أطلعك عليه.
...................؟
اتصل بهم فى بيته وطلب منهم تاريخ ميلاد والده وهو 13/ 2/ 1963.
(أى
يبلغ 44 سنة).
...................؟
نسكن فى 36 ش عبد الرحمن بن عوف فى الدور السادس.
...................؟
لدى
4 أخوات كالتالى 2 إعدادى، 5 ابتدائى، 3 سنوات، والصغيرة 7 شهور فأجبت (معلقًا):
إنت الولد الوحيد وأكبر إخوتك وراجل البيت كمان. فهز رأسه موافقًا.
...................؟
نحن
أصلاً من قرية شطورة (إحدى قرى مركز طهطا. تبعد عن محافظة سوهاج حوالى 40 كم
شمالاً).
وجدو محمد يوسف (عضو الكتلة البرلمانية لإخوان سوهاج بمجلس الشعب عن دائرة مركز
ومدينة طهطا) هو عم والدى.
...................؟
الوالد تخرج من كلية التربية قسم أحياء فى حوالى سنة 1985.
...................؟
عمل
والدى هو شاب بمحافظة مرسى مطروح، ثم عمل مدرس فى مدرسة إعدادية بقرية شطورة، ثم
عمل مدرس أحياء فى مدرسة شطورة الثانوية ثم انتقل منذ 6 سنوات ليكون مديرًا لمدرسة
الدعوة الإسلامية بسوهاج (سنة 2001م).
...................؟
الوالدة تعمل مدرسة لغة عربية.
...................؟
والدى يقرأ القرآن الكريم كثيرًا وتحس أنه يعيش دائمًا مع كتاب الله، وقد أتم حفظ
كتاب الله وهو عنده 15 سنة تقريبًا فقد حفظ أغلبه فى المرحلة الإعدادية إلى سورة آل
عمران ثم أكمل بقيته فى أوائل المرحلة الثانوية.
وكان يحفظنا القرآن بنفسه، ويأتى لنا بالمحفظين فى حال إنشغاله.
...................؟
تعرف والدى على جماعة الإخوان المسلمون وهو فى سن الجامعة تقريبًا عام(1984) والتزم
على يد الشيخ عيسى عبد العليم (من الرعيل الأول لإخوان سوهاج أطال الله فى عمره)
وهو أيضًا من بلدتنا من قرية شطورة.
وحكى لى أنه فى بداية إلتزامه تقابل مع الأستاذ محمد مهدى عاكف (المرشد الحالى
لجماعة الإخوان المسلمون).
...................؟
علاقته بى وبأخواتى مبنية على الحب والإقناع والتشاور حتى إنه إن كان عصبيًا وأصر
على رأى وألقى أوامر؛ فهو يوضح لنا بعدها لماذا أصر على رأيه.
...................؟
من
أحب هواياته لعب كرة القدم فكان يلعب مع أصدقائه فى نادى القرية بشطورة.
...................؟
يقضى أوقات فراغه معنا فى نزهات قد تصل إلى مرتين أسبوعيًا فنذهب إلى الإستاد
الرياضى (استاد سوهاج الرياضى) والنادى البحرى وجزيرة الزهور ونادى الرحلات، وربما
ينقطع عن النزهة لمدة أسبوعين ويعوضها لنا حينما يفرغ من أعماله.
...................؟
والدى يوقظنى فى أغلب الأيام لكى أنزل معه إلى صلاة الفجر وخاصة فى شهر رمضان
ويحسنا على المحافظة على الصلاة ويتابع مستوانا العلمى ويجلس معنا يوم السبت من كل
أسبوع ويحكى لنا حكايات عن عظماء مثل الأئمة الأربعة والشيخ المراغى والإمام الشهيد
حسن البنا.
...................؟
يحب
والدى سماع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وخطب الداعية عمرو خالد والشيخ صفوت حجازى..
...................؟
والدى لا يختلف عن كونه مديرًا للمدرس عنه كأب فهو عندما أخطأ يعاقبنى فى كلا
الحالتين ولا يكون عقابه قاسيًا.
قلت
له: سوف أسألك سؤالاً محرجًا. سمعت أنك رسبت فى مادة الإنجليزى الإضافى (مادة
يدرسها طلاب المدارس الخاصة فى سوهاج بها رسوب ونجاح ولا تضاف للمجموع) مع إن والدك
مدير المدرسة...
قاطعنى قائلاً لقد حزن والدى لكنه يعلم أننى لم أدرسه مثل أصدقائى ففى قرية شطورة
فى المدارس العامة ليس هناك إنجليزى إضافى فعندما انتقلت إلى مدرسة الدعوة فى الصف
الرابع الابتدائى وكان زملائى يدرسون الإنجليزية منذ أربع سنوات أنا كنت أدرسها
لأول مرة، ولكن والدى ألتمس لى العذر لأنى حصلت على درجة جيدة فى الإنجليزى العادى.
...................؟
لاحظت أنا ووالدتى شيئًا غريبًا أن والدى يرتفع إيمانه بشكل ملحوظ قبل كل محنة
اعتقال.
فهو
فى الفترة الأخيرة كان يقضى الكثير من وقته فى قضاء مصالح الناس وخدمتهم فكان يخرج
من الساعة السادسة صباحًا ولا يعود إلا الواحدة ليلاً.
...................؟
والدى
كريم معى ومع إخوتى فأنا إن طلبت منه شئ يأتى بأضعافه سواء مال أو ملابس.
وعندما طلبت منه شراء كمبيوتر لى لمى يمضى 3 شهور وقد اشتراه لى وكلنا فى البيت
نحبه جدًا فهو مثلى الأعلى وأتمنى أن أصبح مثله وانضم إلى الإخوان المسلمين ويكون
لى نشاط كبير.
واستطرد قائلاً: بس هما أخدوا الكمبيوتر بتاعنا لما جو وفتشوا المنزل (كما سيأتى فى
الأسطر القادمة) .. وجدت الكلمات صعوبة فى الخروج من حلق أحمد وطأطأ رأسه ... بدأ
التأثر علىّ والدموع لمعت فى عينى.
فقلت
له نغير الموضوع....
فأكمل والدى اعتقل أربع مرات مرة كنت صغير جدًأ لا أعرف ماذا حدث وهى كانت سنة 1994
تقريبا.
والمرة التى أتذكرها حتى الآن ولا يمكن أن أسناها كنت حوالى 5 سنوات( تقريبًا
1999) فقد أتوا بفلق (جزع نخله) وحطموا باب البيت فى شطورة وانتشر الجنود بشكل
مريع معهم أنواع مختلفة من الأسلحة حتى أنى سألت أحد الضباط المسدس ده لعبة ولا
حقيقى ..!
وحطموا وبعثروا كل محتويات المنزل وصاحوا بشدة سلم نفسك يا همام.
واعتقل أيضًا فى سبتمبر 2002م (ضمن 17من قيادات محافظات سوهاج) وقد داهموا المنزل
فجرًا وكان الكثير من قوات الأمن وأيضًا بعثروا الكثير من محتويات المنزل ولم يأخذ
والدى معه سوى بطانية فقط.
وتعتبر هذه المرة هى الرابعة.
...................؟
لقد
سافر والدى فى قطار الساعة 12 مساءًا يوم الخميس متجهًا إلى القاهرة لقضاء بعض
المصالح الخاصة بعمله واتصل بنا ليطمئن علينا وقال أنه سوف يتوجه إلى أحد أصدقائه
لأنه معزوم على الغذاء عنده وكان ذلك تقريبًا الساعة 2 ظهرًا يوم الجمعة وكان خالى
قد اتفق معه على أنه يقابله الساعة الخامسة.
فاتصل بنا خالى وهو يقول أنه انتظر والدى فى المكان والزمان المحدد ولم يقابله وأن
تليفونه المحمول مغلق فأكدنا له أنه ربما عنده ظروف قهرية لأن والدى لا يخلف الموعد
وزاد قلقنا لأننا اتصلنا بوالدى ولم يجيب على تليفونه.. ولم نكن نعلم بخبر اعتقاله.
فى
حوالى الساعة الثامنة بعد صلاة المغرب كان باب العمارة وباب الشقة مفتوحين ففوجئت
وأن أشاهد أحد المباريات بتلفزيون بظلال أناس يقتحمون بيتنا بدون إذن فقمت وصددت
الباب فى وجههت فسبنى أحدهم ودفعنى بعنف وأنزل يدى من على الباب فقلت لهم: انتوا
مين فرد أحدهم: إحنا أمن الدولة فقلت: انتظروا حتى ترتدى والدتى ملابسها وتقابلكم
فانتظروا وخرجت لهم والدتى فسألها أحدهم ساخرًا: إحنا أمن الدولة يا مدام عرفنا ولا
لا فلم تجبهم وسألنى أحدهم هو بابا بيشد عليك فأجبته أحيانًا: فقال لى (ساخرًا):
أنا مش هاخليه يشد عليك تانى.
كانوا كلهم يرتدون ملابس مدنية وليس بهم إلا شخص كان يرتدى ملابس عسكرية برتبة عميد
وكان أكثرهم احتراما وأدبًا ولاحظت أن ضابط صغير قال له(متعجبًا): ويقصد أمى إنها
لم تصرخ أو تبكى أو حتى تنزعج... وانطلقوا يبعثرون كل محتويات المنزل وكان المخبرون
يفسدون أثاث البيت ويقلبوه رأسًا على عقب .. وتقدم أحدهم بعنف لكى يقتحم غرفة النوم
فاعترضت والدتى فخاطبه العميد بشدة وقال له إرجع هى معترضة على دخولك بمفردك فرد
بسوء أدب: لن أسرق شيئًا. طلبوا منا ماء ليشربوا فأحضرناه لهم وطلبوا أكياس فارغة
فأحضرناها لهم ونحن نعاملهم كأنهم ضيوف
صادروا الكثير من الكتب والأوراق والمتعلقات الشخصية بوالدى وبعثروا كتبنا المدرسية
وقصصنا .. وصادروا جهاز الكمبيوتر الخاص بنا واستمروا قرابة الساعة والنصف وانطلقوا
بسيارات مدنية.
أسرع إلينا الجيران ليطمئنوا علينا بعد أن غادروا وهم يرددون حسبنا الله ونعم
الوكيل.. وعلمنا بعد ذلك أنهم داهموا منزلنا فى شطورة وأخذوا كتابين من هناك.
بعدها خرجت لشراء دواء لى لأنى كنت مريض بعض الشئ فقابلنى أحد أساتذتى بالمدرسة
وقال لى أن والدك أعتقل فى القاهرة ولا تخبر والدتك. صعدت إلى البيت وظللت أبكى
لمدة نصف ساعة تقريبًا بعيدًا عن والدتى لكى لا تعرف وعندما هدأت أخبرتها فقالت لى:
لا تحزن إن أبيك اعتقل لأنه يقرأ القرآن ويخدم الناس ولم يسرق أو يفسد فى البلد
فيحق لنا أن نفخر به لا أن نحزن عليه. فهدأت نفسى واستقرت.
...................؟
شعورى نحو الحكومة سيئ للغاية فأنا لا أعلم لماذا تعاملنا هكذا فهى تترك المجرمين
والسارقين وتعتقل الشرفاء دون أى ذنب
...وفى النهاية تمشيت معه قليلاً وشعرت أنه الرجل وأنا الطفل وتذكرت موقف عبد
الرحمن بن عوف –رضى الله عنه- فى بدر وهو يقف بين معاذ معوذ وهما يسألانه عن أبى
جهل فقال: "فاستصغرت نفسى بينهما وشكرته على إيجابيته وشجاعته ومبادرته واعتزازه
بوالده وبنفسه وبدعوته. وقلت فى نفسى: "هذا الشبل من ذاك الأسد".