سوهاج 28/ 1/ 2010
بقلم أ. عبد الناصر عبد الحق
(1)الإيمان بأن هذا قدر الله ومشيئته وقع بإذنه وهذا ركن من أركان
الإيمان "......وتؤمن
بالقَدَر خيره وشره"[رواه
مسلم].
"مَا
أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ
وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"
[التغابن:11]
جاء فى
تفسير السلف لهذه الآية .هى المصيبة تصيب الرجل فيعلم أناه من عند الله ،فيرزقه
الله الصبر والثبات والرضا بها ويهديه للحق فيها أو فيما معناه.
(2) الصبر عند الصدمة الأولى.
فهذا
واجب على المؤمن أن يصبر ومن أول وهلة يقع فيها البلاء للحديث"إنما
الصبر عند الصدمة الأولى" [رواه البخارى]وللآية
"وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ"
[لقمان:17]ولكى يتحقق الصبر الذى يرضى ربنا ويوفى صاحبه أجره بغير حساب ينبغى أن
يتحقق فيه الآتى:
أ- أن يكون لله"وَاصْبِرْ
وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ"
[النحل: 127]
& "
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ
وَجْهِ رَبِّهِمْ
"
[الرعد: 22]خالصاً
لوجه الله دون أي شائبه من إنتظار مغنم دنيوى أو خوفاً من سبب دنيوى أو مخلوق.
ب- إحتساباً للأجر والثواب عند الله .
"إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ"
[الزمر: 10]
(وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)
[متفق عليه].
ما جاء
فى الحديث للمرأة التى تصرع وتنكشف(إتصبرى ولك الجنة....قالت أصبر يارسول الله..)
قالت أصبر إحتساباً للجنة ثواباً من الله على صبرها فكان لإحتساب سبباً معيناً لها
على الصبر وتحمل المرض.
ج-اليقين بأن صبرك هذا من الله
وبالله ليس بقوة منك وجلداً وإنما هو من فضل الله عليك فاشكر الله وإساله المزيد
ولا تمن به على أحد
"وَاصْبِرْ
وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ"
[النحل: 127]
"وَاللَّهُ
مَعَ الصَّابِرِينَ" [البقرة: 249] "إِذْ يُوحِي
رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.."
[الأنفال:12] "قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً"
[البقرة: 250]
د- انتفاء الجزع والسخط وقول ما يغضب الله..أو ما هو خلاف السنة.
"قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ"
[البقرة: 250].
(أن
القلب ليحزن وان العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضى ربنا)الحديث
(فمن
رضى فله الرضا من سخط فلى السخط)الحديث. وما جاء فى الحديث فى اعن النائحات ومن تشق
الجيوب وتلطم الخدود...إلخ.
هـ-إنتقاء الشكوى إلا لله ليكون الصبر جميلاً
"قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"
[يوسف آية: (86)]
"فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)"
[يوسف آية: (18)]
" فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5)"جاء فى تعريف الصبر الجميل لأئمة السلف هو :الذى
لا شكوى معه.قول سيدنا إبراهيم لسيدنا جبريل عندما سأله وهو يلقى فى النار ألك
حاجة(قال أما منك فلا...) وقوله حسبنا الله ونعم الوكيل. فكان سؤاله واعتماده على
الله وحده دون شكوى او تعلق بأحد سواه ..فكانت النجاة والسلامة.
و-
انتفاء اليأس والقنوط مهما طال زمن البلاء أو عظم
قدره.لقوله تعالى (ولا تيأسوا من روح الله فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) الأية.
(قال
ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون )الأية.
(3) الاسترجاع فى الأول وأثناء وبعد حدوث المكروه
بقول"إنا لله وإنا إليه راجعون،اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها"كما جاء
فى الحديث فمن قال ذلك أخلف الله له خيراً مما فقده أو أصابه"إلا أخلفه الله خيراً
منها"الحديث.
فقد
جاء فى حديث رواه الأمام أحمد فى مسنده أن مما معناه أن من إسترجع كلما تذكر مصيبة
أعطى من الأجر وأخلف فيها من الخير كلما إسترجع...
ويكفيه
الجر الذى ذكرته الآية الصلاة والرحمة والهداية من الله(اولئك عليهم صلوات من ربهم
ورحمة وأولئك هم المهتدون)وقبلها البشرى(وبشر الصابرين). فما اعظم إلتزام الهدى
والسنة فى كل ما يصيبنا للفوز بهذه المزايا العظيمة.
(4)اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والخشوع والأستكانة والتذكر ليكشف
الله هذا المكروه ويثبتك على الحق ويسلمك من السوء.
فإن
الحكمة الأساسية من البلاء والمكروه هى تحقيق حالة العبودية لله بالتضرع والتذلل له
والخشوع والأستكانة إليه وتذكر حكمة الله فى خلقه وقدره والرجوع عن التقصير والخطأ.
وهذه هى الأدلة:
(ولقد
أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون)
فلولا
إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ،ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون)
والعتاب أنهم لما جاءهم البأس لم يتضرعوا ، وقست قلوبهم.
(ولقد
أخذناهم بالعذاب فما إستكانوا لربهم وما يتضرعون)
(ولقد
أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من التراث لعلهم يذكرون)
هكذا
نصت الآيات على أن القوم أخذوا بالعذاب والبأساء والضراء لتحقيق التضرع والأستكانة
والتذكر وهى من حقائق العبودية لله فمن إتعظ ورجع لله وخشع له وصبر على ذلك محتسباً
فقد نجح فى الأختبار والفتنة:وينتظر البشرى بالفوز (ولنبلونكم بشىء من الخوف
والجوع.....وبشر الصابرين....)الأية.
فالحالة القلبية والشعورية والسلوكية لمن وقع فلا بلاء أو مكروه ينبغى أن تتناسب مع
واقعة من حيث التضرع والخشوع لله والإستكانة إليه والأكثار من الدعاء اللحوح دعاء
المكروب المضطر وتكون حالة أو سلوكيات المرح أو التسريةمثل الملح فى الطعام بحيث لا
يكون هى الاصل والاستثناء أو الفرع هو الحالة التى أمرنا بها القرآن أو أراد لنا
أنا فلنتدبر واقعنا من حيث المطابقة لنعرف الفرق بين ما هو واقع وبين ما ينبغى أن
يكون ولتكن حالة رسول الله وصحبه الكرام هى النموذج لنا حينما كان يحل بهم بلاء او
شدة من بأساء أو ضراء كيف كان حالهم هل هو المرح والفرح والمزاح واللهو والغفلة ،ام
الاسراع إلى الله بقلوبهم وسلوكهم وشعورهم من خشوع وتضرع وإستكانة ودعاء حتى تنزاح
الغمة ويتم النصر الفرج (أن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
(5) الأخذ بأسباب الفرج والنجاة ودفع البلاء والمكروه او تخفيف وطأته.
فمن
الطيعى إذا مرض الأنسان أو مرض له ولد فإنه يسرع إلى الطبيب ويبذل كل ما فو وسعه
لدفع المرض أو لو حدث حريق فى منزل إنسان فالكل يسارع إلى الأطفاء بكل ما لأوتى من
قوة وهكذا ينبغى لكل عاقل إذا إصابه مكروه فى دينه أو دنياه فليسارع إلى الأخذ
بأسباب الفرج ودفع البلاء فهذا واجب شرعى وخاصة إذا كان أسر يمنعك الحرية ونصرة
الدين ويعرضك للذل والمهانة وأنت العزيز
(مثل
المؤمنين فى قوادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عنصر تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى....)الحديث
(والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون)
(ربنا
لا تجعلنا فتنة للقوم الطاغين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين..)
(ربنا
لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ..)
والمتدبر لحال النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام يرى مدى مسارعتهم للأخذ
بأسباب النجاة ودفع البلاء وغدم التواكل او اليأس أو الاستسلام للشر والمكروه عدا
رضاهم بقدر الله فهذا أمر لا يتنافى مع الاخذ بأسباب النجاة(ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة )فهاهم أصحاب الغار يلجأون إلى الله بالدعاء والتوسل بأعمالهم الصالحة كما
فى الحديث وها هى صورة الأنبياء إمتلات بصور الاسباب التى أخذ بها إنبياء الله
للنجاة من المكروه من داء وتسبيح ،وصبر،وذكر،وخشوع،وعمل صالح وهذا رسول الله كان
كلما(حزبه أمر هرع إلى الصلاة ..ونادى قائلاً:أرحنا بها يابلال)وفى بدر يدعو حتى
يقع الرداء عن كتفيه من شدة التضرع إلى الله.
والآيات تدلنا على كثير من أسباب الفرج منها:
ما
ذكرنا ومنها(ومن يتق الله يجعل له مخرجاً..)
(إذا
تستغيثون ربكم لإستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة....)
(ومن
يتقى الله يجعل له من أمره يسراً..)
(وان
تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)
(إذا
لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)(اصبروا وصابروا ورابطوا
واتقوا الله لعلكم تفلحون)
(إلا
آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر)
(كذلك
ننجى المؤمنين) (واستعينوا بالصبر والصلاة)
وهذا
من اهم ما ينبغىأن يهتم وينشغل به من وقع فى بلاء هو الأخذ بأسباب
النجاة(العملية،السلوكية-القلبية- الشعورية...)
(6)
الرجوع إلى أهل المشورة والرأى والخبرةلمعرفة وسائل وسبل الحل والنصر والخلاص من
المكروه:مع الأعتصام بالصحبة والبيئة الصالحة قدر الإمكان وإحسان الأستشارة
والاستخارة فى كل خطوة حتى لا يزداد البلاء بلاءاً أو سوءاً ، فما خاب من إستشار
وما ندم من إستخار (وأمرهم شورى بينهم – وشاورهم فى الأمر)
ووقت
الأزمة هى أشد واحوج الأوقات حاجة إلى التروى والتأنى والمشورة والأستخارة لما فيها
من ضغوط وضيق وإضطراب......
(وإذا
أصابهم أمر من الأمن أو الخوف أزاعوا به ولو رادوه...) الأية.
(7)
محاسبة النفس والتفتيش فى ماضيها وحاضرها لتعرف سبب البلاء فقد يكون بذنب أو قصور
او تقصير أو خطأ . فينبغى إصلاحه والتوبة منه(فما وقع بلاء إلا بذنب وما وقع إلا
بتوبة)أو كما جاء فى الحديث.
(وما
أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويغفوك عن كثير) (قل هو من عند أنفسكم...)
وما
حدث فى احد وحنين غنى عن البيان وما يحدث فى واقعنا المعاصر اوضح من أن نتحدث
عنه(فليحذر الذين يخالفون عن آمرهأن تصيبهم فتنة أو يصبهم عذاب أليم)الأيه
والمؤمن لا يلدغ من جحرمرتين ولا يتنى له وذلك بالمحاسبة وإستيعاب الدرس والعبرة من
الحدث.
(8)
تدبر ومراعاة هذه المشاهد فى البلاء او المكروه كقدر من اقدار الله وهى:
أ-
مشهد التوحيد:وهو المعنى الذى ذكرنا فى أول نقطة بحيث يعلم ان هذا من قدر الله ولا
يأتى به إلا الله بإذنه ومشيئته وأن ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن.
ب-
مشهد الرحمة:فمن مقتضيات الايمان ولوازمه أن تؤمن بأن الله رحيم بعباده فى كل
أحوالهمفى الدنيا والأخرة فى الشدة والرخاء فى البأساء والضراء فهو رحيم
بعباده(ارحم من الوالدة بولدها) الحديث
(رحمتى
وسعت كل شىء فسأكتبها للذين امنوا...)
(وكان
بالمؤمنين رحيماً) (أن الله بالناس لرءوف رحيم) رحمة لا تنفك عنهم عن الناس عامة
وعن المؤمنين خاص.
ج-
مشهد الحكمة والعلم:فمن صفات الله العلم والحكمة (إن الله كان عليماً حكيماً)
فلا
يقع شىء فى ملكه إلا بعلمه وحكمته فما يحدث لك بعلم الله وحكمته فاطمئن وقر عيناً
لم يحدث عبثاً ولا سدى ولا جهلاً بموضعه المناسب.
د-
مشهد الحمد:(الحمد لله رب العالمين ) (وله الحمد فى الولى والآخرة)
فالله
يستحق الحمد على كل حال وهو الذى لا يحمد على مكروه سواه وهذا من مقتضى الأيمان
أيضاً
ه-
مشهد العدل:(ولا يظلم ربك أحداً ) (وما ربك بظلام للعبيد) فمقتضى إيمانك بهذه الصفة
يجعلك تطمئن لكل قضاء وقدر يقع معك أو مع غيرك مهما رأيت فيه من مظاهر الظلم فى
الظاهر تثق أن عين الحكمة والعدل المطلق(فلا تظلم نفسً شيئاً) فكل حقوقك مكفولة (وم
يؤمن بالله ويعمل صالحاً فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)فرؤية هذا المشهد يإيمان فى كل
ما يحدث لك من خير أو شر يمنحك قوة وثقة تامين تواجه بها الأحداث فى هدوء وإطمئنان
وعدم خوف شىء ولا مخلوق كائناً من كان.
و-
مشهد النعمة: فالمؤمن يؤمن بأن قضاء الله كله خير له ومن هنا فهو نعمة من الله
ينبغى حمده وشكره عليها لما فيها من خير له (عجباً لأمر المؤمن وان امره كله له
خيره إن إصابته سراء شكر فكان خيراً له وان إصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك
لأحد إلا المؤمن)
والحمد
والاسترجاع واحتساب المصيبة عند الله يجعلها للمؤمن خير ورحمة يخلفله خيراً منها
كما فى الحديث ويكفر بها من خطاياه كما فى الحديث وينفع له بها الدرجات العلا فى
الجنة كما فى الآيات والحديث ويمحصه ويقويه ويميزه بها فى الدنيا والآخرة وكما جاءت
الآيات والأحاديث بذلك وكل ذلك نعم عظيمة.
(وما
يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(ولا يلقاها إلا الصابرون)(أم حسبتم أن تدخلو الجنة ...)
وغيرها
من الآيات(من يرد الله به خيراً يصب منه..) (إن الله إذا أحب قوماً إبتلاهم...)
والأحاديث فى ذلك كثيرة فهل بعد ذلك فحزن وهل هناك نعمة أعظم من أن يحبك الله لصبرك
على بلائه....